فشل العالم العربي في استخدام التواصل الاستراتيجي

This post has already been read 1296 times!

فشل العالم العربي في استخدام التواصل الاستراتيجي

بقلم راي حنانيه

Arab World failure to use strategic communications

مباشرة  بعد الهجمات الارهابية في 11 أيلول/سبتمبر 2001، أطلقت الحكومة الأمريكية حملة اتصال استراتيجي لتغيير نظرة الشعوب العربية للأمريكيين.

وكانت الحملة تتضمن إطلاق منابر إعلامية باللغة العربية تتوجه إلى العرب والمسلمين العاديين. ورغم استمرار العنف في الشرق الأوسط وتواصل خطاب الكراهية المعادي لأمريكا من بعض الجيوب المتطرفة النافذة بين العرب والمسلمين، فإن تلك الحملة كانت ناجحة إلى حدّ كبير.

ومن بين دوافع “الربيع العربي” رغبة الشعوب العربية في التحول إلى الديمقراطية الغربية، ولكن أيضا رغبة تلك الشعوب في الحرية.

وقد ازداد توجه الشعب العربي إلى المصادر الغربية والخدمات ووسائل التواصل الاجتماعي عبر الانترنت ولم تساند تطور المواقع المحلية في الشرق الأوسط.

ومن أجل تقوية الجهد الأمريكي في تغيير نظرة العرب والمسلمين لأمريكا، عملت وسائل الاعلام السائدة الأمريكية على توسيع رقعة تأثيرها من خلال تأسيس المدارس ودعم البرامج الاعلامية في دول عربية مثل دبي والأردن ومصر.

وإذا كان الأمريكيون قد أدركوا مدى أهمية أن يُنفقوا مئات الملايين من الدولارات لتغيير نظرة العرب والمسلمين لهم، فلماذا لم يُقدم العرب والمسلمين على فعل نفس الشيء لتغيير نظرة الأمريكيين لهم؟

وفي السنوات الأخيرة، تغير المشهد الإعلامي في العالمين العربي والاسلامي. في السابق كان الإعلام تحت سيطرة الحكومات بشكل كامل، أما اليوم، فنجد الكثير من وسائل الاعلام المستقلة بما فيها الشريحة المتطرفة قد برزت وحققت نوعا من التوازن.

بعض هذه الوسائل الاعلامية العربية الجديدة، من بينها الجزيرة، تمكنت من “الوصول” إلى الجمهور الأمريكي. ورغم أن الجزيرة اشترت قناة “كورينت تي في” التي كان يملكها نائب الرئيس الأمريكي الأسبق آل جور، والتي كانت قناة شعبية إلى حدّ ما وكانت تبث ضمن طيف الاعلام الأمريكي السائد، فإن قناة “الجزيرة أمريكا” التي انطلقت في وقت سابق من هذا العام، وهي قناة إخبارية تبث على مدار الساعة، فشلت إلى حدّ الآن في التأثير على الأمريكيين. وتظهر الاحصاءات الأولية أن أعداد مشاهديها ضئيل للغاية، وهم في أغلب الظن أولئك الذين كانوا أصلا يشاهدون قناة الجزيرة العامة وغيرها من وسائل الإعلام العربية.

لماذا لم يسعى رجال الأعمال العرب والنخب الشرق أوسطية إلى محاولة تغيير النظرة المعادية للعرب وللمسلمين السائدة بين الأمريكيين العاديين، من خلال إطلاق وسائل إعلام ناجحة في أمريكا؟

هذا سؤال يعود بنا إلى ثقافة العرب والمسلمين، تلك الثقافة التي نشأت من خلال قرون من القمع والاستبداد والاحتلال. لقد كانت تلك البيئة لا تشجع المواطن العادي أو الشارع العربي والشارع الاسلامي على التعبير الكامل على آرائهم. بل بالعكس، فقد وقعت تربية الانسان العربي والانسان المسلم على تجنّب الآراء التي قد يُنظر إليها على أنها ناقدة للحكومات أو الأنظمة التي تُسيطر عليهم.

ونتيجة ذلك أن العرب والمسلمين يفتقدون التقاليد الراسخة للتعبير عن الذات بكل حرية، وتنقصهم الخبرة والتدريب في هذا المجال. هم يدركون كم هم “يكرهون” الاعلام الغربي، ولكنهم في الوقت ذاته يفشلون دائما في إدراك سهولة التعامل مع ذلك الاعلام وسهولة تغيير الصورة والرسالة التي يُنتجها.

إن هذا “العجز الاعلامي” في العالمين العربي والاسلامي يتجلى في أشكال متعددة، حتى في إطار الاعلام الجديد الذي نشهد بروزه في العالم العربي والاسلامي.

ويرى الاعلام العربي والاسلامي الجديد نفسه في معركة ضد تقاليد الرقابة الحكومية والرقابة الذاتية (وهي تجنب التغطية الاعلامية التي يعرف الاعلام أنها ستعرضه إلى ردة فعل عقابية من طرف الحكومة أو أصحاب السلطة). وهم بذلك أشبه بالملاكم الذي يوقف اللكمة قبل وصولها إلى الملاكم الخصم، أي أنهم يهدرون قوتهم.

وعلى سبيل المثال، نرى أن برامج قناة الجزيرة أمريكا الإخبارية على مدار الساعة، مليئة بالأخبار التي لا تتعلق بالعرب ولا بالمسلمين. وأغلب تلك البرامج كانت قد عُرضت سابقا في قنوات أخرى. ولكن المضمون الأساسي لقناة الجزيرة أمريكا، وما يُميزها من حيث القدرة على تغطية الأخبار في منطقة الشرق الأوسط كإعلام ينبع من نفس المنطقة، فإن تلك المضامين غالبا ما تكون مائعة ومُلطّفة ومُحرّرة لتجنّب “إهانة” المشاهد الأمريكي. لأن أمريكا تعوّدت على الحملات الاعلامية التي لا يتحدّاها أحد، والتي تتهم الاعلام العربي بالمشاركة في الارهاب وبنشر الدعاية المعادية لأمريكا.

ورغم هذه النواقص في الاعلام العربي والاسلامي السائد، هناك بعض النجاحات الاعلامية من هنا وهناك، ولكن ليس بالمعنى الجيّد.

خلال الأسبوع الماضي، تعرض الاعلام الغربي إلى هجمة دعائية مركزة بدقة من طرف مساندي منظمة الشباب الارهابية. وكان عدد من أعضاء هذه المنظمة قد هاجموا مركزا تجاريا في مدينة نيروبي في كينيا، وقتلوا عشرات المدنيين الأبرياء. وفي بعض الحالات ركز الارهابيون كرههم الأعمى ضد أهداف غربية وغير مسلمة.

ولمجابهة التغطية الاعلامية الغربية المرتقبة التي لم تكتف بمهاجمة منظمة الشباب بل استغلت العملية الارهابية لتكريس وشحذ مخاوف الغرب من كل ما هو عربي وإسلامي وشرق أوسطي، أقدم نشطاء الشباب الذين كانوا يجيدون اللغة الانجليزية، على إرسال رسائل إلكترونية فيها بيانات صحفية كما استخدموا تويتر لنشر رسالتهم بين الناس.

أنا لا أقول أنهم نجحوا في إقناع أي أمريكي بأن قتل الأبرياء كان أمرا مشروعا. ولكنهم برهنوا أنهم يفهمون أسس عملية التواصل الاستراتيجي الغربي، من خلال خلط الرسائل الاعلامية الموجهة للعموم، وخلق رسائل مضادة.

وكان الدكتاتور السوري بشار الأسد أكثر نجاحا، وقد كانت حكومته ضالعة في عشرات الهجمات الارهابية في كل أنحاء العالم بما فيها اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري، وصحافيين لبنانيين ونشطاء عرب معتدلين. أنفق الأسد الملايين من الأموال المنهوبة ليُظهر أن استراتيجية إعلامية محترفة يمكنها أن تُقوّض قوة الدعاية الأمريكية.

فشلت جهود الرئيس باراك أوباما في معاقبة الأسد على استخدامه للسلاح الكيماوي لتقتيل 1429 مدنيا في إحدى ضواحي دمشق التي كانت معقلا للتمرد. وما أفشل تلك الجهود هو حملة إعلامية مضادة شديدة الفعالية قام بها الأسد بالتنسيق مع روسيا والنشطاء الداعمين للأسد وحزب الله في الولايات المتحدة.

لماذا إذا فشلت الحكومات العربية المعتدلة والمنظمات العربية والاسلامية المرموقة في تخصيص الموارد لتمويل التواصل الاعلامي الاستراتيجي؟

يبدو أنهم منشغلون بالعيش في الماضي التقليدي.

ما ينبغي على العالم العربي أن يفعله هو أن يشتري صحيفة أمريكية وطنية كبرى، وهناك عدد من هذه الصحف معروضة على المزاد، وأن يوظفوا صحفيين عرب أمريكيين محترفين ليشغلوا مناصب أساسية في الشبكة الاعلامية، بدل عن ترحيل الوظائف وتسليمها للإعلاميين المرتزقة من غير العرب وغير المسلمين.

بإمكانهم أن يشتروا أو أن يُنشؤوا شبكة إذاعية وطنية. وعوض أن يعملوا على إسعاد الجمهور الأمريكي، كما تفعل قناة الجزيرة أمريكا، عليهم توفير الأخبار بكل حرفية، تكون مستندة على الوقائع والدقّة، قادرة على تحدّي الانحياز الغربي المعادي للعرب.

هذا أمر سهل التحقيق. ربما هذا ما يجعل العالم العربي لا يُقدم عليه.

راي حنانيه كاتب صحفي متحصل على جوائز عديدة. اتصلوا به على موقع www.TheMediaOasis.com . تابعوه على عنوان تويتر @rayhanania

This post has already been read 1296 times!

Ray Hanania

Ray Hanania

RAY HANANIA — Columnist

Ray Hanania is an award winning political columnist and author. He covered Chicago Politics and Chicago City Hall from 1976 through 1992. Hanania began writing in 1975 when he published The Middle Eastern Voice newspaper in Chicago (1975-1977). He later published “The National Arab American Times” newspaper which was distributed through 12,500 Middle East food stores in 48 American States (2004-2007).

Hanania writes weekly columns on Middle East and American Arab issues for the Arab News in Saudi Arabia at www.ArabNews.com, and for TheArabDailyNews.com, and TheDailyHookah.com.

Palestinian, American Arab and Christian, Hanania’s parents originate from Jerusalem and Bethlehem.

Hanania is the recipient of four (4) Chicago Headline Club “Peter Lisagor Awards” for Column writing. In November 2006, he was named “Best Ethnic American Columnist” by the New American Media;In 2009, he received the prestigious Sigma Delta Chi Award for Writing from the Society of Professional Journalists. He is the recipient of the MT Mehdi Courage in Journalism Award. Hanania has also received two (2) Chicago Stick-o-Type awards from the Chicago Newspaper Guild, and in 1990 was nominated by the Chicago Sun-Times for a Pulitzer Prize for his four-part series on the Palestinian Intifada.

His wife and son are Jewish and he performs standup comedy lampooning Arab-Jewish relations, advocating for peace based on non-violence, mutual recognition and Two-States.

His Facebook Page is Facebook.com/rghanania

Email him at: RGHanania@gmail.com

Visit this link to read Ray's column archive at the ArabNews,com ArabNews.com/taxonomy/term/10906
Ray Hanania