الاختفاء المتسارع للشعور بالعروبة

This post has already been read 1425 times!

الاختفاء المتسارع للشعور بالعروبة

(Fast Disappearing Arabs)

بقلم راي حنانيه

 كنت في سنوات شبابي الماضية أُعرّف نفسي دائما على أنني “عربيّ”. كنتُ أقول للجميع أنني عربيّ فلسطينيّ، وكنت أشعر بأهمية العروبة كمكوّن أساسي لهويتي.

وكان الرئيس المصري جمال عبدالناصر بطلا في نظري، لأنه كان يدافع على “القومية العربية”.

لم يكن عبد الناصر زعيما ناجحا من حيث أنه كان يعيش على توهّم مفرط للقوة العسكرية المصرية التي لم تكن موجودة في الواقع، ولأنه كان يبني شعبيته على أساس تحفيز الشعور بالعداء ضدّ إسرائيل، التي استحقّت العداء الذي يكنّه لها العالم العربي.

وكناشط شابّ، كان نضالي من أجل تحقيق العدالة يرتكز على دعم “القضية العربية”، ألا وهي تحرير فلسطين، وإرساء الديمقراطية للشعوب العربية، والمزيد من الاحترام للإسلام وللمسيحيين العرب.

ولكن مع مرور الأعوام، تلاشى الشعور بالعروبة شيئا فشيئا، ولم يكن قد تحقق أيّ من أهدافي السامية. فلم يتحقق العدل للفلسطينيين، ولا تزال الديمقراطية في العالم العربي مجرّد سراب، وبدلا من ارتفاع منسوب الاحترام للإسلام، على العكس تماما، نراه محاصرا في الغرب، في حين لا يحظى المسيحيون العرب بأيّ “اعتبار”.

وقد أدى ذلك إلى انقسام العرب على أساس الدين، حيث تجمّع العرب المسلمون حول إسلامهم لتحقيق التمكين السياسي، بينما لجأ العرب المسيحيون إلى الانصهار في المجتمع المسيحي السائد.

وتتزايد كل يوم أعداد العرب الذين يعرّفون أنفسهم على أنهم “مسلمون”. وليس في ذلك حرج على اعتبار أن أغلبية المسلمين في الشرق الأوسط هم عرب.

ولكن الأمر يختلف في أمريكا والعالم “الغربي”، حيث أغلبية المسلمين هم من غير العرب. وقد تحوّل العرب المسلمون هنا إلى فصيل ثانوي ضعيف داخل مجموعة سياسية دينية متنامية تُسمى “الإسلاميين”. وفي حين بقي التزامهم بدينهم قويّ، فإن ولائهم لتلك المبادئ الأساسية التي قدّمناها على أنها جوهر العروبة يعرف تراجعا مستمرا.

إن الشخص “العربيّ” اليوم، لا يحمل شعورا قويّا تجاه فلسطين، وهي قلب الإسلام بذاته، وقيمة جوهرية لمعنى العروبة. لهذا السبب نجد أن الكثير من الدول المسلمة غير العربية لا تجد حرجا في ربط علاقات قوية مع إسرائيل، وهي دولة تتأسس على العنصرية الدينية، وهي ظاهرة فريدة من نوعها. وفي حين أن العنصرية الإسرائيلية لا تصل إلى حدّ الفصل العنصري، لكن نظامها العنصري يتناقض تماما مع مزاعم الديمقراطية.

لقد اندمج المسيحيون العرب بشكل كبير في المجتمع الغربي، الذي يعيش مسيحية كاذبة، وحيث المسيحيون الغربيون لا يفقهون حتى حقيقة تاريخ ديانتهم.

الأمريكيون هم أكثر شعوب العالم تعلُّما، لكنهم أقل الشعوب معرفة بالعالم. بالنسبة لمعظم الأمريكيين، فإن العرب المسيحيين هم حالة شاذة يصنّفونهم على أنهم تفرّع من تفرعات الاسلام. يعتقد الكثير من الأمريكيين أنني مسلم، بعد أن نجحت الدعاية الاسرائيلية في غسل أدمغتهم وتلقينهم أن المسيحيين ليس لهم أية روابط شرعية مع الأرض المقدّسة.

وإلاّ، فكيف نُفسّر أن المسيحيين الأمريكيين يعتبرون بيت لحم قبلة لصلواتهم، في حين أنهم يتجاهلون تضرّع أبناء دينهم الذين يعيشون تحت القمع الاسرائيلي في بيت لحم؟

لقد جرف الاندماج في المجتمع الأمريكي روح العرب الغربيّين.

يُقدّر عدد “العرب” في أمريكا بـأربعة ملايين ونصف المليون نسمة، غالبيتهم من المسيحيين، الكاثوليك والأرثودوكس والبروتستانت. وما تبقى من العرب المسلمين، فإن أغلبيتهم أتوا من فلسطين التي ترزح تحت الاحتلال والقمع الإسرائيلي، وبعدها الأردن ولبنان ثم من منطقة الخليج.

ومما يساعد في تسريع اضمحلال الهوية العربية هو أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة يبلغ 7 ملايين مسلم، أقلّ من 25 في المائة منهم هم عرب. أما غالبية المسلمين في أمريكا فهم من السود أعضاء ما يُسمى “أمة الإسلام”، وبعدها يأتي المسلمون الآسيويون بغالبية باكستانية.

ويمكن أن نعتبر أن تشتت الهوية العربي هو الذي يمكّن إسرائيل من مواصلة إنكار العدالة والإفلات من المساءلة عن سلسلة جرائم الحرب والانتهاكات التاريخية للقانون الدولي. ذلك أن المسلمين بصفة عامة لا تهمّهم القضية الفلسطينية بقدر ما تهمّ المسلمين العرب.

وهروبا من العنصرية ضد العرب، ارتمى المسيحيون العرب في أحضان المسيحيين من غير العرب، الذين يحملون سوء فهم غريب لتاريخ عقيدتهم. يؤمن المسيحيون الأمريكان بقصة توراتية خيالية يرقد فيها يسوع الرضيع في مهده في الاسطبل في بيت لحم، بينما تقبع بيت لحم الحقيقية تحت حصار خانق للدولة العبرية.

ومما يزيد الطين بلّة في حالة الضياع العربي، هو حالة الانقسام التي عرفها العالم العربي بعد قرون من الاستعمار الأجنبي، كالعثماني الذي امتدّ على مدى خمسة قرون، تلاه الاستعمار الغربي بُعيد الحرب العالمية الأولى، وصولا إلى التبعية الاقتصادية للغرب ذاته منذ الحرب العالمية الثانية.

لقد رسم الغرب الحدود التي قسّمت العالم العربي، ليس على أسس واقع العروبة بل حسب ما يتماشى مع سياسات الغرب.

إن خريطة العالم العربي هي في الواقع خريطة الهيمنة الغربية الصليبية، فقد فاقمت هذه التحولات الاجتماعية من حالات التناحر الداخلي، وأعطت أسبقية لأعدائنا.

إن احتفال إسرائيل بمرور 65 عاما على إنشاءها كقوة احتلت فلسطين في حدود 1948 في البداية ثم ضمت بقية فلسطين في حدود 1967، لدليل واضح على فشل القومية العربية والهوية العربية.

يجدر بالعرب أن يلتفّوا حول مشروع لإعادة إحياء هويتهم الثقافية والاتحاد من أجل تكوين قوّة فاعلة. لكن المأساة تكمن في أن هكذا هدف ليس من طبيعة العرب المعاصرة.

راي حنانيه كاتب صحفي فلسطيني وصوت إذاعي متحصل على جوائز عديدة. تابعوا برنامجه الإذاعي على الموقع: www.TheMediaOasis.com

This post has already been read 1425 times!

Ray Hanania

Ray Hanania

RAY HANANIA — Columnist

Ray Hanania is an award winning political columnist and author. He covered Chicago Politics and Chicago City Hall from 1976 through 1992. Hanania began writing in 1975 when he published The Middle Eastern Voice newspaper in Chicago (1975-1977). He later published “The National Arab American Times” newspaper which was distributed through 12,500 Middle East food stores in 48 American States (2004-2007).

Hanania writes weekly columns on Middle East and American Arab issues for the Arab News in Saudi Arabia at www.ArabNews.com, and for TheArabDailyNews.com, and TheDailyHookah.com.

Palestinian, American Arab and Christian, Hanania’s parents originate from Jerusalem and Bethlehem.

Hanania is the recipient of four (4) Chicago Headline Club “Peter Lisagor Awards” for Column writing. In November 2006, he was named “Best Ethnic American Columnist” by the New American Media;In 2009, he received the prestigious Sigma Delta Chi Award for Writing from the Society of Professional Journalists. He is the recipient of the MT Mehdi Courage in Journalism Award. Hanania has also received two (2) Chicago Stick-o-Type awards from the Chicago Newspaper Guild, and in 1990 was nominated by the Chicago Sun-Times for a Pulitzer Prize for his four-part series on the Palestinian Intifada.

His wife and son are Jewish and he performs standup comedy lampooning Arab-Jewish relations, advocating for peace based on non-violence, mutual recognition and Two-States.

His Facebook Page is Facebook.com/rghanania

Email him at: RGHanania@gmail.com

Visit this link to read Ray's column archive at the ArabNews,com ArabNews.com/taxonomy/term/10906
Ray Hanania