نتساءل عن مدى السلامة العقلية في عالم اليوم

This post has already been read 903 times!

نتساءل عن مدى السلامة العقلية في عالم اليوم

بقلم راي حنانيه

(Wondering about the Sanity of Today’s World)

ما الذي يمنع نائبا في الكونجرس الأمريكي من أن يخلع كلّ ملابسه ويسبح عاريا، كما ولدته أمّه، في مياه بحر الجليل، تلك المياه نفسها التي مشى عليها يسوع المسيح، قبل أن يُصلب؟

ذلك تماما ما أقدم على فعله النائب الجمهوري المحافظ كيفين يودير، من الدائرة الثالثة في ولاية كنساس، خلال زيارة له إلى إسرائيل منذ وقت قصير. قفز في البحيرة، عاريا تماما، وسبح، دونما اعتبار لأهمية المكان الذي كان فيه.

أليس هذا هو السلوك المعتاد لمعظم أعضاء الكونجرس؟ أي السلوك غير المسؤول؟

يمنح الكونجرس آلاف ملايين الدولارات من دافع الضرائب الأمريكي لإسرائيل سنويا، حتى في أحلك الفترات التي يعيش فيها الاقتصاد الأمريكي ركودا رهيبا. فكيف يمكن لأيّ كان أن يتوقّع سلوكا مسؤولا من أعضاء الكونجرس؟

لا يتحلى أعضاء الكونجرس بالمسؤولية عندما يتعلق الأمر بالتصرف في الدولارات التي يشقى المواطن الأمريكي من أجل كسبها. ويتحلون بأقل قدر من المسؤولية عندما يتعلق الأمر باحترام أمور مثل الشرعية الدولية أو حقوق الإنسان المسلم أو المسيحي المضطهد في إسرائيل، أو حتى احترام أماكن لها تقديرها الخاص في عقيدتهم هم أنفسهم.

إن عدم اكتراث الكونجرس للمسيحيين أمر لا يخلو من الغرابة، لا سيما وأن معظم أعضاء الكونجرس الـ535 هم من المسيحيين. أما اليهود فعددهم 39 فقط، مما يدفع للتساؤل عن سبب منح إسرائيل مساعدات دولية تفوق بكثير ما تحصل عليه أية دولة أخرى.

عضوان فقط من أعضاء الكونجرس هم مسلمون.

وتعبيرا للكونجرس عن امتنانهم لمنح إسرائيل سنويا آلاف ملايين الدولارات من الضرائب، والتي يجادل البعض أنه يجدر بنا أن ننفقها لإطعام ملايين الفقراء والجياع من الأمريكيين، تأخذ اللوبيات الإسرائيلية أعضاء الكونجرس في سفرات مدفوعة، إلى إسرائيل طبعا.

ولكن هذه السفرات مدفوعة النفقات إلى إسرائيل ليست مجانية، في الحقيقة. فهي ممولة من طرف واحدة من مجموعات الضغط الكثيرة المنضوية تحت مظلة الأيباك (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية)، والتي تتوقع من أعضاء الكونجرس أن يصوّتوا لصالح إسرائيل، دون أي تردّد ودون اعتبار للأخلاق أو المبادئ أو العدالة.

فكيف لنا أن نتفاجأ إذا، أن بعض هؤلاء الأعضاء الذين سافروا في رحلة مماثلة إلى إسرائيل منذ ما يزيد على سنة، وكان عددهم 30 عضوا مصطحبين أفراد عائلاتهم، أن يكون سلوكهم متهورا وصبيانيا؟

وخير دليل على الاستهتار الذي ساد الزيارة التي نظمتها ودفعت تكاليفها منظمة الأيباك، ذلك الفعل، أو ربما الفعلة التي أقترفها العضو يودير خلال الزيارة التافهة، حين قرر السباحة في بحر الجليل مع الآخرين. لكن يودير رأى من اللائق أن يخلع كل ملابسه، وأن يغوص في المياه المقدسة، كما ولدته أمه.

السيد يودير مسيحي، وربما كناّ سنغفر له فعلته لو تفهمنا أنه شعر بالرغبة في دخول تلك المياه لتأدية طقس توراتي مسيحي. فعلى شواطئ بحر الجليل، التي تحتلها إسرائيل منذ سنة 1948، أتى السيّد المسيح كثيرا من المعجزات، منها المشي فوق الماء، وإطعام آلاف التابعين برغيف واحد.

رغم ذلك، استغرق الأمر سنة كاملة لتثير هذه القصة غضب المسيحيين في أمريكا.

والسبب هو أن هذه السفرات إلى إسرائيل التي تنظمها منظمة أيباك لأعضاء الكونجرس مألوفة ومعتادة إلى حدّ أنه لا أحد يتساءل عن مدى أخلاقية أو لا أخلاقية السماح لمنظمة تكرس كل طاقاتها من أجل دعم سياسات خارجية لدولة أجنبية، أن تنظم مثل هذه السفرات مدفوعة النفقات، مما يؤدي، ربما، إلى إثارة مثل هذه الرغبة الجامحة في الغوص عاريا، في مياه بحر الجليل، حيث نشأت جذور المبادئ المسيحية.

وبعد عودتهم من هذه العطلة الشيّقة، والتي كانت تُسمى “بعثة تقصّي الحقائق”، تندّر أعضاء الكونجرس وضحكوا بخصوص تلك الحادثة على مدى أكثر من سنة، حتى وصلت القصة إلى موقع إلكتروني متخصص في الأخبار السياسية، قبل بضعة أشهر من موعد توجه الشعب الأمريكي إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس للبلاد.

فهل ينتخب الأمريكيون ميت رومني، الجمهوري المورموني؟ أم يعيدوا انتخاب الرئيس باراك أوباما، المسيحي، والذي يعتقد الكثير من الأمريكيين أنه مسلم؟

أما على الجبهة الداخلية، فقد نشرت الصحف الأمريكية قصصا كثيرة عن اضطهاد المسلمين للمسيحيين في باكستان وفي مصر، وتجاهلت القصص الأكثر عددا عن اضطهاد المسيحيين للمسلمين، وللعرب المسيحيين، الذين يتعامل معهم الأمريكان على أنهم مسلمون.

منذ بضعة أيام، تعرضت مقبرة إسلامية في ضواحي شيكاغو إلى أعمال تخريب من أطراف مجهولة، عمدت إلى كتابة عبارات عنصرية بشعة على قبر المرحوم حسان عبدالله، والذي كان دبلوماسيا سابقا في الجامعة العربية. وقد كتب المتطرف أو المتطرفون رسالتهم الحاقدة على شاهد القبر، ما يُمكن ترجمته بـ”القاتل، لابس الخرقة على الرأس”. وكان في كلمة “رأس” خطئ إملائي، وهذا ليس بغريب عن العنصريين والمتطرفين، الذين هم عادة من الجهلة والأمّيين.

ومع نهاية شهر رمضان المبارك منذ أيام، تعرضت المساجد في أنحاء أمريكا إلى كثير من التخريب والحرق والكتابات العنصرية، والتي نستحي من ذكرها في هذا المقام.

كل هذه الحوادث تدفعنا لنتساءل عن مدى السلامة العقلية في عالمنا اليوم، رغم أنها في الحقيقة، قد تفسّر انعدام السلامة العقلية في الكونجرس الأمريكي.

راي حنانيه كاتب صحفي فلسطيني وصوت إذاعي متحصل على جوائز عديدة. تابعوا برنامجه الإذاعي على الموقع: www.RadioChicagoland.com

This post has already been read 903 times!

Ray Hanania

Ray Hanania

RAY HANANIA — Columnist

Ray Hanania is an award winning political columnist and author. He covered Chicago Politics and Chicago City Hall from 1976 through 1992. Hanania began writing in 1975 when he published The Middle Eastern Voice newspaper in Chicago (1975-1977). He later published “The National Arab American Times” newspaper which was distributed through 12,500 Middle East food stores in 48 American States (2004-2007).

Hanania writes weekly columns on Middle East and American Arab issues for the Arab News in Saudi Arabia at www.ArabNews.com, and for TheArabDailyNews.com, and TheDailyHookah.com.

Palestinian, American Arab and Christian, Hanania’s parents originate from Jerusalem and Bethlehem.

Hanania is the recipient of four (4) Chicago Headline Club “Peter Lisagor Awards” for Column writing. In November 2006, he was named “Best Ethnic American Columnist” by the New American Media;In 2009, he received the prestigious Sigma Delta Chi Award for Writing from the Society of Professional Journalists. He is the recipient of the MT Mehdi Courage in Journalism Award. Hanania has also received two (2) Chicago Stick-o-Type awards from the Chicago Newspaper Guild, and in 1990 was nominated by the Chicago Sun-Times for a Pulitzer Prize for his four-part series on the Palestinian Intifada.

His wife and son are Jewish and he performs standup comedy lampooning Arab-Jewish relations, advocating for peace based on non-violence, mutual recognition and Two-States.

His Facebook Page is Facebook.com/rghanania

Email him at: RGHanania@gmail.com

Visit this link to read Ray's column archive at the ArabNews,com ArabNews.com/taxonomy/term/10906
Ray Hanania